1
الرجل الأمة في الخميس أبريل 15, 2010 11:05 pm
د. علي بن عمر بادحدح
الخطبة الأولى:
وصية الله للأولين والآخرين تقواه في العالمين (وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ ) [النساء/131]
وإن في الأمة أحداثاً ورجالاً يكون من آثارهم في حياتها ما يجدد آثار النبوة والنبوات فيهم ويكون من سماتهم ومعالم حياتهم ما يجسد ويحقق ويقرب إلى الارتباط بكتاب الله جل وعلا والاستمساك بهدي رسولهم صلى الله عليه وسلم (إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (120) شَاكِرًا لِأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ) [النحل/120، 121] كان أمة قال أهل التفسير إماماً يهتدى به في الخير قانتاً أي خاشعاً مطيعاً لله سبحانه وتعالى وذكر أهل التفسير عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال إن معاذاً كان أمة فقال له بعض الناس إن إبراهيم كان أمة قال أتدري ما الأمة فلما سئل عن ذلك قال رضي الله عنه معلم الناس الخير والقانت المطيع لله ولرسوله وذكر القرطبي في تفسيره أن الأمة هو الرجل الجامع للخير الذي يقتدى به فكم في الأمة من أمة أي من رجل يُعد أمةً في إمامته وحيازته للخيره وأثره في الناس وما يمثله من قدوة تربط بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم (وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآَيَاتِنَا يُوقِنُونَ ) [السجدة/24] قال ابن القيم وغيره الصبر واليقين عماد الإمامة في الدين ولعل الناس تنصرف أذهانهم في الإمامة والتقدم إلى قيادات ومناصب الدنيا المؤثرة وهنا يأتينا التأثير المتوازن الحق في الارتباط المنهجي القرآني (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ ) [النساء/59] ويذكر أهل العلم أن أولي الأمر الأمراء والعلماء وإذا أخذنا الجامع بينهما على المنهج الحق فإنه يتمثل في أمرين اثنين استمساك بالمنهج في كتاب الله وسنة رسوله فما أمير بحق ولا حاكم بصدق عند أهل الإسلام إلا إذا أعلن انتماءه وارتباطه والتزامه بحكم شريعة الله والأمر الثاني الطاعة وهي منبثقة ومرتبطة بالأولى وأهل العلم من علماء الحق والصدق يمثلون هذا النموذج فهم رمز الارتباط والاستمساك بالمنهج وفي الوقت نفسه طاعتهم والاقتداء بهم بهذا المعنى ظاهر في حياة النفس وسيد الخلق صلى الله عليه وسلم قال الناس معادن خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا فالمعدن الأصيل تزداد أصالته بتجذره في أرض الإيمان وتشبثه بشجرة الإسلام وتحققه بصورة الالتزام وهذا الذي يمكن أن يجسد لنا صورة الرجل الأمة الذي دوره في الأمة كأنه أمة كما قال سيد الخلق صلى الله عليه وسلم العلماء ورثة الأنبياء وإن الأنبياء لم يورثوا درهماً ولا ديناراً وإنما ورثوا العلم فمن أخذه أخذ بحظ وافر ويقول الرافعي الأديب عن العلماء في دلالة معنى هذا الحديث هم روح النبوة في الزمان يجددون معانيها وينطقون بكلمتها ويقومون بحجتها فهم مجددون لمعانيها وآثارها ماذا تقول الناس ماذا تقول قوافي الشعر في رجل كل يقول له هذا هو الرجل
لو لم تكن فيه آيات مبينة *** كان منظره ينبيك بالخبر
علم من أعلام الأمة فقدناه بموته ووقفاتنا هذه لتنبيه الأمة إلى أعلامها وتنبيه الأمة إلى كل رجل بأمة وتنبيه الأمة إلى حقيقة مناراتها وقياداتها وقدواتها التي جرى عليها من خلال اختلال المفاهيم وأضاليل الإعلام ما جرى من الاختلال والاختلاف شيخ جليل وعالم كبير رأيته سمعت عنه ثم لقيته وتحدثتُ معه وعند مرضه زرته وفي أحوال كثيرة التقيت وقرأت بمن لزموه وعاشوا معه وأنقلكم إلى شاهد الختام لعلي أقربكم إلى المعنى الذي أريد في منتصف هذا الأسبوع كان عدد المصلين على الجنازة حسب التقديرات قد فاق نحو 20 ألف وأما المشيعين فإن أقل التقديرات التي كتبت في صحفنا كانت تزيد على 100 ألف أما الشهود والحضور فقد نقلوا لنا صورة حية ليس فيها مجال لنفاق أو مجاملات ومداهنات فمع تكبيرة صلاة الجنازة سمع الناس نشيجاً وبكاءً بل سمعوا أصواتاً تكاد تنوح ببكائها حزناً وألماً والعجيب من ذلك أيضاً أن هذا المشهد كأنما كان أمراً قد سيق له الناس فقد جاءوا من سفر بعضهم سار فيه نحو أكثر من 10 ساعات بسياراتهم أضف إلى ذلك أن عدداً غير قليل من هؤلاء كانوا قد سبقوا إلى المسجد قبل نحو 3 و4 ساعات من الصلاة ليجدوا لهم مكاناً ثم كل هؤلاء إلا قلة قليلة جداً ليست لهم صلة بالشيخ عبدالله بن جبرين رحمه الله رجل قد طعن في الثمانين من عمره ومع ذلك كان معدناً نفيساً من المعادن التي يقل مثيلها ولستُ هنا أتحدث عنه له بل أتحدث عنه لنا فقد مضى إلى ربه ومولاه وهو أعلم به وأرحم من كل الخلق وهو سبحانه وتعالى الذي جعل شهادة الخلق في الدنيا كما بينها رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما مرت جنازة فأثنوا عليها خيراً قال وجبت ومرت أخرى فلم يثنوا عليها خيراً فقال وجبت فقالوا وما وجبت يا رسول الله قال أنتم شهداء الله في الأرض فمن أثنيتم عليه بخير وجب له الخير أو كما قال صلى الله عليه وسلم والحديث في الصحيح وهنا قالت وجبت مئات وآلاف من الألسن والأقلام والأعين والعبرات والدموع معلم رئيس عرفته ولمسته وقرأته معلم يعز في واقع حياتنا في جانبي الإخلاص لله عز وجل والإخلاص في التعامل مع الخلق وإخلاص الرجل بينه وبين ربه إلا أن الشواهد كثيرة حتى قال أحدهم وأراه صادقاً فيما عرفته إن هذا الرجل يصدق فيه أن مادحه وذامه سواء وأنه كان يطري نفسه ويجهدها مع كبر سنه وهو في غنى عن أن يتقرب لأحد أو يتزلف لغيره ورأيناه في جانب الإخلاص وهو يؤدي رسالته لا يكترث هل الجمع كثير أو قليل هل سيثنون بخير ويذكرون علماً غزيراً وفهماً دقيقاً أم سينصرفون إلى غير ذلك حتى إن بدء دروسه كان يحضرها 3 نفر بل هو قال مداعباً ومضاحكاً قال في أول أمري كان درسي فيه 3 أنا وواحد وإبريق الشاي معنا وبعد ذلك رأينا هذا الشيخ والناس بحمد الله يتقاطرون من كل مكان ليستمعوا له وهو هو لم يتغير لم يتبدل بقي على سَمته وعلى سِمته والتي أشير إليها في الجانب الثاني وهو جانب العمل الذي يخفيه بينه وبين ربه سبحانه وتعالى فقد قص كثيرون من من عايشوه وسافروا معه أنهم بعد سفر طويل وعناء كبير وجهد عظيم يفيئون في آخر الليل وقد تعبوا ليرتاحوا وإذا بهم يكتشفون أن الشيخ يقوم لله عز وجل مصلياً محيياً لليله في عادة قال كثيرون أنه لم يكن يقطعها إلا فيما ندر وله سمة أخرى تدل على ذلك وقد ذُكرت من 3 جهات مختلفة واشخاص شهدوها سيما في وقت قبل كبر سنه الأخير إذ كان يخرج ويأخذ بعض الزاد والقوت في الليل ويسير به سيراً على الأقدام إن كان قريباً وبالسيارة إن كان بعيداً فيوصله إلى بعض المحتاجين دون أن يعلموا به وقد قص ذلك أحد الموسرين في سكن جار جديد قال فجئت أتفقد حاله وأزيد في الحديث لما رأيت من ملامح ربما عُسر عنده فلما ألححت عليه قال قد سبقك إلي ذاك الشيخ فرأيته فإذا هو ابن جبرين رحمه الله وأما السمة الثانية التي أحسب أننا نحتاجها كثيراً وهي سمة التواضع وأحسب أنه من أكثر الناس الذين تربعوا على قمة عرش التواضع ولم أر في حياتي مثله ومثل شيخ آخر نسأل الله أن يُبارك فيه ويمد في عمره شيخ يزيد عمره عن السبعين ويأبى أن يسلم أو يقبل رأسه أحد بل إنه يقبل رأس غيره كما مر بي ذلك شخصياً ثم انظروا إلى حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي رواه أبو داوود وابن ماجه في سننهما وأحمد في مسنده قال عليه الصلاة والسلام البذاذة من الإيمان والبذاذة عدم التصنع والتكيف في الهيئة بلباس يلفت الأنظار وربما تصنع وزيادة في الإنفاق على هذه الأحوال وكان الشيخ رحمه الله معروفاً بذلك مغموراً في أوساط الناس لا يعرف حتى إنه كان في رمضان إذا جاء إلى مكة ورأي غير مرة يركب في المواصلات العامة التي تزدحم بالناس مع أن العشرات يقدمون له أفخر وأفخم السيارات لينتقل بها من هنا وهناك من تواضعه أنه كان يستمع إلى أقرانه وكان يحضر درس الشيخ ابن باز رحمه الله مع من معه من صغار من تلاميذه وتلاميذ تلاميذه وواظب على ذلك طيلة حياته إلى وفاة الشيخ الذي أنابه في درسه مرات كثيرة وكذلك نراه وهو يستمع إلى الدروس والمحاضرات حتى لتلاميذه ويقدم لكل من يطلبه ذلك فيقرأ ويسدد ويصوب وأما المعدن الذي هو معدن الأصالة عنده فهو معدن العلم وسيرته في طلبه عظيمة وعظيمة وعظيمة جدا فقد قرأ كل ما نعرف من الكتب الفقيه والعقدية والتفسيرية والحديثية المشهورة على كبار من الأئمة والعلماء بدءاً بوالده وشيخه الحبيب أبي حبيب وأخيه الشيخ صالح وغيرهم ثم انظروا إلى الأثر المهم فقد انتهى الشيخ وهو يدرس في كل أسبوع أكثر من 35 كتاباً في علوم مختلفة وأما الدأب فإنه يدرس من الفجر إلى وقت الضحى ويدرس في العصر وفي المغرب وفي العشاء في المسجد وبعد ذلك كله في بيته لأعداد غفيرة وكثيرة ويجوب الآفاق وينتقل إلى القرى الهجر دون أن يميز بين مدينة كبيرة ومساجد عظيمة أو غيرها وقد شهد عندنا هنا عشرات من الدورات التي نفع الله بها الكثيرين من الرجال والنساء
نستودع الله بحر العلم إذ عذبت*** للصب شطئانه مما كفى وشفا
رحلت يا أمة عن أمة فجعت *** من ذا يداوي جرحها النزفا
ملكتها بالهدى علماً وتزكيةً *** فملكت المآقي رفعة ووفا
كم عالم قامت الدنيا بهمته *** وقد يعز عليها أن ترى خلفا
ومعدن العطاء الذي كان فيه لا يني ولا يتعب حتى في مرضه الأخير أعلنت بعض الجهات اسمه في الدورات مع تعقيب إن شفى الله الشيخ لأنه لا يخرج من تعب يسير فترتد إليه صحته إلا ويعود إلى نشاطه وعطائه نسأل الله سبحانه وتعالى أن يتغمده برحمته وأن يتقبله في الصالحين وأن يُخلف أمة الإسلام فيه خيراً وأن يجبر كسر أمتنا على فقد عالمها وأن يواسي أهله وذويه في مصابهم وأن يلهمنا أن نتأسى ونترسم خطى علمائنا إخلاصاً لله وتواضعاً للخلق وطلباً للعلم وبذلاً في ميادين العطاء كلها.
الخطبة الثانية
الموت حق وذلك مذكر بمصير كل حي وخاتمة كل إنسان ولئن مضى الشيخ رحمه الله فإننا نرى ونشهد بالحق أنه مضى إلى ربه على خير كثير نسأل الله عز وجل أن يتقبله وأن يرفعه إلى عليين ويبقى السؤال كيف سيلقى كل منا ربه لئن مضى الشيخ فولاءه علم ينتفع به وولاء كما نعلم ونعرف أبناء صالحون يدعون له ووراءه صدقات من صدقات الناس إذ لم يكن ذا مال وكان من أزهد الزاهدين في دنياه ولعلنا هنا نتذكر ونحن في مقام قد يكون مقام حزن لكننا نوقن بأن البكاء وحده والحزن وحده ليس بكاف وليس هو محتاج إليه لأننا نعلم أننا لن نبكي من يمضي إلى الرحيم الرحمن سبحانه وتعالى (وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرَارِ ) [آل عمران/198] (وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى ) [الشورى/36] ونحن نوقن بذلك وأما أمتنا فإن الله جل وعلا فقد هيأ لها وتعهد لها بأن يبقى فيها أمر الدين قائما وأن يجعل فيها ما يجدد دينها وأن يجعل فيها أئمة هدى يبصرون الأمة بنهجها ويعيدونها إلى صوابها
إذا مات منا سيد قام سيد والعلماء ورثة الأنبياء ونحن نتذكر أن الأمر هو الاقتداء فكيف نكون على سنن هؤلاء في يوم أحد لما أشاع المشركون قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم قال أنس بن النضر لما رأى بعض الصحابة جلوساً مالكم قالوا مات محمد صلى الله عليه وسلم قال فعلى ما العيش بعده فموتوا على ما مات عليه ويوم مات سيد الخلق صلى الله عليه وسلم حقاً وقف أبوبكر وقال من كان يعبد محمد فإن محمداً قد مات ومن يعبد الله فإن الله حي لا يموت وكان أبوبكر أقرب المقربين إلى رسول الله وأخلص المخلصين له وأحب المحبين له فغلب على عاطفته وبين النهج الذي علمه إياه رسوله صلى الله عليه وسلم هذه أعلام ومعالم سنها وخطها أعلام الأمة وكل منهم كان أمة بحق في حياة الأمة فأين الاقتداء ولعلي هنا أجعل مقارنة أختم بها لا لشيء من المقارنة تخص الفقيد المرحوم بإذن الله عز وجل وإنما تخص واقع أمتنا قبل فترة وجيزة وقبل وفاة الشيخ مات مغني عالمي مشهور فشغلت به القنوات وسردت لنا سيرته التي لا تعنينا بشيء ولا تمت إلا ديننا ولا بأخلاقنا لا بقليل ولا بكثير حتى قال قائلهم وكبرت كلتهم من كان يحب مايكل فإن مايكل قد مات ومن كان يحب البوب فإنه حي لا يموت في مقام مرذول يدلنا على سفه إعلامي وعلى انحراف فكري وعاطفي ومنهجي بدء يغزو ويؤثر في أبنائنا وشبابنا وأعلم أن بعض إخواننا في هذا المسجد قد يكون لم يسمع بهذا الشيخ أو قد يستكثر أو يظن أنه ليس من داع أن يكون حديث في خطبة جامعة عنه ولسنا نتحدث عن الأشخاص لكننا نتحدث عن المعالم الإيمانية والعلمية والمنهجية التي خطوها والآثار التي رأيتها ومن تتبع فإن أهل الشرق والغرب من بلاد الإسلام لهم صلة بهذا الشيخ مباشرة وغير مباشرة وعلمه بفضل الله عز وجل عم الآفاق مع ما نشهد به مما رأيناه من سمت إيمانه وإخلاصه وزهده وصلته بربه سبحانه وتعالى أفنستكثر أن يخطب الخطباء أو يتحدث المتحدثون عن أئمة أعلام من العلماء ولا نستنكر أن يتكلم الإعلام بزخم ونقل مباشر عن سقط الناس الذين لا يمتون لنا بصلة أمر من أمور الخلل لعل بعض هذه الجوانب في حياة الشيخ مما مضى في حياته ومما سيبقى بعد مماته يذكرنا ويعيننا.
الخطبة الأولى:
وصية الله للأولين والآخرين تقواه في العالمين (وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ ) [النساء/131]
وإن في الأمة أحداثاً ورجالاً يكون من آثارهم في حياتها ما يجدد آثار النبوة والنبوات فيهم ويكون من سماتهم ومعالم حياتهم ما يجسد ويحقق ويقرب إلى الارتباط بكتاب الله جل وعلا والاستمساك بهدي رسولهم صلى الله عليه وسلم (إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (120) شَاكِرًا لِأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ) [النحل/120، 121] كان أمة قال أهل التفسير إماماً يهتدى به في الخير قانتاً أي خاشعاً مطيعاً لله سبحانه وتعالى وذكر أهل التفسير عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال إن معاذاً كان أمة فقال له بعض الناس إن إبراهيم كان أمة قال أتدري ما الأمة فلما سئل عن ذلك قال رضي الله عنه معلم الناس الخير والقانت المطيع لله ولرسوله وذكر القرطبي في تفسيره أن الأمة هو الرجل الجامع للخير الذي يقتدى به فكم في الأمة من أمة أي من رجل يُعد أمةً في إمامته وحيازته للخيره وأثره في الناس وما يمثله من قدوة تربط بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم (وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآَيَاتِنَا يُوقِنُونَ ) [السجدة/24] قال ابن القيم وغيره الصبر واليقين عماد الإمامة في الدين ولعل الناس تنصرف أذهانهم في الإمامة والتقدم إلى قيادات ومناصب الدنيا المؤثرة وهنا يأتينا التأثير المتوازن الحق في الارتباط المنهجي القرآني (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ ) [النساء/59] ويذكر أهل العلم أن أولي الأمر الأمراء والعلماء وإذا أخذنا الجامع بينهما على المنهج الحق فإنه يتمثل في أمرين اثنين استمساك بالمنهج في كتاب الله وسنة رسوله فما أمير بحق ولا حاكم بصدق عند أهل الإسلام إلا إذا أعلن انتماءه وارتباطه والتزامه بحكم شريعة الله والأمر الثاني الطاعة وهي منبثقة ومرتبطة بالأولى وأهل العلم من علماء الحق والصدق يمثلون هذا النموذج فهم رمز الارتباط والاستمساك بالمنهج وفي الوقت نفسه طاعتهم والاقتداء بهم بهذا المعنى ظاهر في حياة النفس وسيد الخلق صلى الله عليه وسلم قال الناس معادن خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا فالمعدن الأصيل تزداد أصالته بتجذره في أرض الإيمان وتشبثه بشجرة الإسلام وتحققه بصورة الالتزام وهذا الذي يمكن أن يجسد لنا صورة الرجل الأمة الذي دوره في الأمة كأنه أمة كما قال سيد الخلق صلى الله عليه وسلم العلماء ورثة الأنبياء وإن الأنبياء لم يورثوا درهماً ولا ديناراً وإنما ورثوا العلم فمن أخذه أخذ بحظ وافر ويقول الرافعي الأديب عن العلماء في دلالة معنى هذا الحديث هم روح النبوة في الزمان يجددون معانيها وينطقون بكلمتها ويقومون بحجتها فهم مجددون لمعانيها وآثارها ماذا تقول الناس ماذا تقول قوافي الشعر في رجل كل يقول له هذا هو الرجل
لو لم تكن فيه آيات مبينة *** كان منظره ينبيك بالخبر
علم من أعلام الأمة فقدناه بموته ووقفاتنا هذه لتنبيه الأمة إلى أعلامها وتنبيه الأمة إلى كل رجل بأمة وتنبيه الأمة إلى حقيقة مناراتها وقياداتها وقدواتها التي جرى عليها من خلال اختلال المفاهيم وأضاليل الإعلام ما جرى من الاختلال والاختلاف شيخ جليل وعالم كبير رأيته سمعت عنه ثم لقيته وتحدثتُ معه وعند مرضه زرته وفي أحوال كثيرة التقيت وقرأت بمن لزموه وعاشوا معه وأنقلكم إلى شاهد الختام لعلي أقربكم إلى المعنى الذي أريد في منتصف هذا الأسبوع كان عدد المصلين على الجنازة حسب التقديرات قد فاق نحو 20 ألف وأما المشيعين فإن أقل التقديرات التي كتبت في صحفنا كانت تزيد على 100 ألف أما الشهود والحضور فقد نقلوا لنا صورة حية ليس فيها مجال لنفاق أو مجاملات ومداهنات فمع تكبيرة صلاة الجنازة سمع الناس نشيجاً وبكاءً بل سمعوا أصواتاً تكاد تنوح ببكائها حزناً وألماً والعجيب من ذلك أيضاً أن هذا المشهد كأنما كان أمراً قد سيق له الناس فقد جاءوا من سفر بعضهم سار فيه نحو أكثر من 10 ساعات بسياراتهم أضف إلى ذلك أن عدداً غير قليل من هؤلاء كانوا قد سبقوا إلى المسجد قبل نحو 3 و4 ساعات من الصلاة ليجدوا لهم مكاناً ثم كل هؤلاء إلا قلة قليلة جداً ليست لهم صلة بالشيخ عبدالله بن جبرين رحمه الله رجل قد طعن في الثمانين من عمره ومع ذلك كان معدناً نفيساً من المعادن التي يقل مثيلها ولستُ هنا أتحدث عنه له بل أتحدث عنه لنا فقد مضى إلى ربه ومولاه وهو أعلم به وأرحم من كل الخلق وهو سبحانه وتعالى الذي جعل شهادة الخلق في الدنيا كما بينها رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما مرت جنازة فأثنوا عليها خيراً قال وجبت ومرت أخرى فلم يثنوا عليها خيراً فقال وجبت فقالوا وما وجبت يا رسول الله قال أنتم شهداء الله في الأرض فمن أثنيتم عليه بخير وجب له الخير أو كما قال صلى الله عليه وسلم والحديث في الصحيح وهنا قالت وجبت مئات وآلاف من الألسن والأقلام والأعين والعبرات والدموع معلم رئيس عرفته ولمسته وقرأته معلم يعز في واقع حياتنا في جانبي الإخلاص لله عز وجل والإخلاص في التعامل مع الخلق وإخلاص الرجل بينه وبين ربه إلا أن الشواهد كثيرة حتى قال أحدهم وأراه صادقاً فيما عرفته إن هذا الرجل يصدق فيه أن مادحه وذامه سواء وأنه كان يطري نفسه ويجهدها مع كبر سنه وهو في غنى عن أن يتقرب لأحد أو يتزلف لغيره ورأيناه في جانب الإخلاص وهو يؤدي رسالته لا يكترث هل الجمع كثير أو قليل هل سيثنون بخير ويذكرون علماً غزيراً وفهماً دقيقاً أم سينصرفون إلى غير ذلك حتى إن بدء دروسه كان يحضرها 3 نفر بل هو قال مداعباً ومضاحكاً قال في أول أمري كان درسي فيه 3 أنا وواحد وإبريق الشاي معنا وبعد ذلك رأينا هذا الشيخ والناس بحمد الله يتقاطرون من كل مكان ليستمعوا له وهو هو لم يتغير لم يتبدل بقي على سَمته وعلى سِمته والتي أشير إليها في الجانب الثاني وهو جانب العمل الذي يخفيه بينه وبين ربه سبحانه وتعالى فقد قص كثيرون من من عايشوه وسافروا معه أنهم بعد سفر طويل وعناء كبير وجهد عظيم يفيئون في آخر الليل وقد تعبوا ليرتاحوا وإذا بهم يكتشفون أن الشيخ يقوم لله عز وجل مصلياً محيياً لليله في عادة قال كثيرون أنه لم يكن يقطعها إلا فيما ندر وله سمة أخرى تدل على ذلك وقد ذُكرت من 3 جهات مختلفة واشخاص شهدوها سيما في وقت قبل كبر سنه الأخير إذ كان يخرج ويأخذ بعض الزاد والقوت في الليل ويسير به سيراً على الأقدام إن كان قريباً وبالسيارة إن كان بعيداً فيوصله إلى بعض المحتاجين دون أن يعلموا به وقد قص ذلك أحد الموسرين في سكن جار جديد قال فجئت أتفقد حاله وأزيد في الحديث لما رأيت من ملامح ربما عُسر عنده فلما ألححت عليه قال قد سبقك إلي ذاك الشيخ فرأيته فإذا هو ابن جبرين رحمه الله وأما السمة الثانية التي أحسب أننا نحتاجها كثيراً وهي سمة التواضع وأحسب أنه من أكثر الناس الذين تربعوا على قمة عرش التواضع ولم أر في حياتي مثله ومثل شيخ آخر نسأل الله أن يُبارك فيه ويمد في عمره شيخ يزيد عمره عن السبعين ويأبى أن يسلم أو يقبل رأسه أحد بل إنه يقبل رأس غيره كما مر بي ذلك شخصياً ثم انظروا إلى حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي رواه أبو داوود وابن ماجه في سننهما وأحمد في مسنده قال عليه الصلاة والسلام البذاذة من الإيمان والبذاذة عدم التصنع والتكيف في الهيئة بلباس يلفت الأنظار وربما تصنع وزيادة في الإنفاق على هذه الأحوال وكان الشيخ رحمه الله معروفاً بذلك مغموراً في أوساط الناس لا يعرف حتى إنه كان في رمضان إذا جاء إلى مكة ورأي غير مرة يركب في المواصلات العامة التي تزدحم بالناس مع أن العشرات يقدمون له أفخر وأفخم السيارات لينتقل بها من هنا وهناك من تواضعه أنه كان يستمع إلى أقرانه وكان يحضر درس الشيخ ابن باز رحمه الله مع من معه من صغار من تلاميذه وتلاميذ تلاميذه وواظب على ذلك طيلة حياته إلى وفاة الشيخ الذي أنابه في درسه مرات كثيرة وكذلك نراه وهو يستمع إلى الدروس والمحاضرات حتى لتلاميذه ويقدم لكل من يطلبه ذلك فيقرأ ويسدد ويصوب وأما المعدن الذي هو معدن الأصالة عنده فهو معدن العلم وسيرته في طلبه عظيمة وعظيمة وعظيمة جدا فقد قرأ كل ما نعرف من الكتب الفقيه والعقدية والتفسيرية والحديثية المشهورة على كبار من الأئمة والعلماء بدءاً بوالده وشيخه الحبيب أبي حبيب وأخيه الشيخ صالح وغيرهم ثم انظروا إلى الأثر المهم فقد انتهى الشيخ وهو يدرس في كل أسبوع أكثر من 35 كتاباً في علوم مختلفة وأما الدأب فإنه يدرس من الفجر إلى وقت الضحى ويدرس في العصر وفي المغرب وفي العشاء في المسجد وبعد ذلك كله في بيته لأعداد غفيرة وكثيرة ويجوب الآفاق وينتقل إلى القرى الهجر دون أن يميز بين مدينة كبيرة ومساجد عظيمة أو غيرها وقد شهد عندنا هنا عشرات من الدورات التي نفع الله بها الكثيرين من الرجال والنساء
نستودع الله بحر العلم إذ عذبت*** للصب شطئانه مما كفى وشفا
رحلت يا أمة عن أمة فجعت *** من ذا يداوي جرحها النزفا
ملكتها بالهدى علماً وتزكيةً *** فملكت المآقي رفعة ووفا
كم عالم قامت الدنيا بهمته *** وقد يعز عليها أن ترى خلفا
ومعدن العطاء الذي كان فيه لا يني ولا يتعب حتى في مرضه الأخير أعلنت بعض الجهات اسمه في الدورات مع تعقيب إن شفى الله الشيخ لأنه لا يخرج من تعب يسير فترتد إليه صحته إلا ويعود إلى نشاطه وعطائه نسأل الله سبحانه وتعالى أن يتغمده برحمته وأن يتقبله في الصالحين وأن يُخلف أمة الإسلام فيه خيراً وأن يجبر كسر أمتنا على فقد عالمها وأن يواسي أهله وذويه في مصابهم وأن يلهمنا أن نتأسى ونترسم خطى علمائنا إخلاصاً لله وتواضعاً للخلق وطلباً للعلم وبذلاً في ميادين العطاء كلها.
الخطبة الثانية
الموت حق وذلك مذكر بمصير كل حي وخاتمة كل إنسان ولئن مضى الشيخ رحمه الله فإننا نرى ونشهد بالحق أنه مضى إلى ربه على خير كثير نسأل الله عز وجل أن يتقبله وأن يرفعه إلى عليين ويبقى السؤال كيف سيلقى كل منا ربه لئن مضى الشيخ فولاءه علم ينتفع به وولاء كما نعلم ونعرف أبناء صالحون يدعون له ووراءه صدقات من صدقات الناس إذ لم يكن ذا مال وكان من أزهد الزاهدين في دنياه ولعلنا هنا نتذكر ونحن في مقام قد يكون مقام حزن لكننا نوقن بأن البكاء وحده والحزن وحده ليس بكاف وليس هو محتاج إليه لأننا نعلم أننا لن نبكي من يمضي إلى الرحيم الرحمن سبحانه وتعالى (وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرَارِ ) [آل عمران/198] (وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى ) [الشورى/36] ونحن نوقن بذلك وأما أمتنا فإن الله جل وعلا فقد هيأ لها وتعهد لها بأن يبقى فيها أمر الدين قائما وأن يجعل فيها ما يجدد دينها وأن يجعل فيها أئمة هدى يبصرون الأمة بنهجها ويعيدونها إلى صوابها
إذا مات منا سيد قام سيد والعلماء ورثة الأنبياء ونحن نتذكر أن الأمر هو الاقتداء فكيف نكون على سنن هؤلاء في يوم أحد لما أشاع المشركون قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم قال أنس بن النضر لما رأى بعض الصحابة جلوساً مالكم قالوا مات محمد صلى الله عليه وسلم قال فعلى ما العيش بعده فموتوا على ما مات عليه ويوم مات سيد الخلق صلى الله عليه وسلم حقاً وقف أبوبكر وقال من كان يعبد محمد فإن محمداً قد مات ومن يعبد الله فإن الله حي لا يموت وكان أبوبكر أقرب المقربين إلى رسول الله وأخلص المخلصين له وأحب المحبين له فغلب على عاطفته وبين النهج الذي علمه إياه رسوله صلى الله عليه وسلم هذه أعلام ومعالم سنها وخطها أعلام الأمة وكل منهم كان أمة بحق في حياة الأمة فأين الاقتداء ولعلي هنا أجعل مقارنة أختم بها لا لشيء من المقارنة تخص الفقيد المرحوم بإذن الله عز وجل وإنما تخص واقع أمتنا قبل فترة وجيزة وقبل وفاة الشيخ مات مغني عالمي مشهور فشغلت به القنوات وسردت لنا سيرته التي لا تعنينا بشيء ولا تمت إلا ديننا ولا بأخلاقنا لا بقليل ولا بكثير حتى قال قائلهم وكبرت كلتهم من كان يحب مايكل فإن مايكل قد مات ومن كان يحب البوب فإنه حي لا يموت في مقام مرذول يدلنا على سفه إعلامي وعلى انحراف فكري وعاطفي ومنهجي بدء يغزو ويؤثر في أبنائنا وشبابنا وأعلم أن بعض إخواننا في هذا المسجد قد يكون لم يسمع بهذا الشيخ أو قد يستكثر أو يظن أنه ليس من داع أن يكون حديث في خطبة جامعة عنه ولسنا نتحدث عن الأشخاص لكننا نتحدث عن المعالم الإيمانية والعلمية والمنهجية التي خطوها والآثار التي رأيتها ومن تتبع فإن أهل الشرق والغرب من بلاد الإسلام لهم صلة بهذا الشيخ مباشرة وغير مباشرة وعلمه بفضل الله عز وجل عم الآفاق مع ما نشهد به مما رأيناه من سمت إيمانه وإخلاصه وزهده وصلته بربه سبحانه وتعالى أفنستكثر أن يخطب الخطباء أو يتحدث المتحدثون عن أئمة أعلام من العلماء ولا نستنكر أن يتكلم الإعلام بزخم ونقل مباشر عن سقط الناس الذين لا يمتون لنا بصلة أمر من أمور الخلل لعل بعض هذه الجوانب في حياة الشيخ مما مضى في حياته ومما سيبقى بعد مماته يذكرنا ويعيننا.






